محمد بيومي مهران
190
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
يده السمراء ، وقد كان موسى عليه السلام « آدم » أي مائلا إلى السمرة ، يخرجها من جيبه ، فإذا هي بيضاء من غير سوء ، بيضاء ليست عن مرض ، ولكنها المعجزة ، فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء ، فإذا فرعون ، وقد أحس بضخامة المعجزة وقوتها يسرع بمقاومتها ودفعها ، وهو يحس ضعف موقفه ، ويكاد يتملق القوم من حوله ، ويهيج مخاوفهم من موسى وقومه ليغطي على وقع المعجزة المزلزلة قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ « 1 » . ولعل سائلا يتساءل : لم اختار اللّه معجزة لموسى عليه السلام من نوع السحر ؟ ولعل الجواب على ذلك ، إنما يأتي من دراستنا للتاريخ المصري في عصوره القديمة ، حتى نستطيع أن ندرك الحكمة من نزول الآية والمعجزة بالصورة التي شاء اللّه أن تنزل بهما ، فما كانت لتنزل إلا في أمر من واقع حياة الناس وما يدور بأذهانهم فتكون محققة في أعينهم على غير قاعدة ولا قياس لخارق من الأعمال ، طالما فكروا فيه وسمروا به وضربوا به أغوار الوهم وتخيلوه ، وقد ورد لنا عن الحياة المصرية القديمة من أحاديث السحر والسحارين ما كان الناس يخرجون به إلى عالم الغيب من عالم الشهادة ، ومن دنيا الواقع إلى آفاق الخيال « 2 » .
--> - بعد موت آدم فبقيت معه حتى لقي موسى ربه ليلا ، ومنها ( خامسا ) رواية تنسب للحسن البصري تقول إنها من عرض الشجر أخذها موسى دون أن يتخيرها ، وعن الكلبي أنها من شجرة العوسج ، ورأى الفخر الرازي أنه لا مطمع في ترجيح رواية على أخرى ، لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة ( تفسير الفخر الرازي 24 / 246 - 247 ) . ( 1 ) سورة الشعراء : آية 34 / 35 ، تاريخ الطبري 1 / 403 ، في ظلال القرآن 3 / 1347 ، 5 / 2594 . ( 2 ) أحمد عبد الحميد : المرجع السابق ص 104 .